أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
211
شرح مقامات الحريري
ملك الرياح قوائما فجرى بها * فيكاد يأخذ مغربا من مشرق وقال فيه أيضا : [ الطويل ] وتحتي ريح تسبق الريح إن جرت * وما خلت أن الرّيح ذات قوائم وله في المدى سبق إلى كلّ غاية * كأنّ لنا فيه نفوذ عزائم وهمّة نفس نزهتها عن الونى * فيا عجبا ، حتى العلا في البهائم ! وكان للمتوكل ببطليوس فرس أخضر أغرّ محجل على كفله ست نقط بيض ، فبذل كل شاعر في وصفه جهده ، فما سبق الغاية إلا البجليّ بقوله : [ الرمل ] حمل البدر جواد سابح * تقف الريح لأدنى مهله وكأنّ الصبح قد خاض به * فبدا تحجيله من بلله لبس اللّيل قميصا سابغا * فالثريّا نقط في كفله كلّ مطلوب وإن طالت به * رجله من أجله في أجله والباب لا يدخل تحت الحصر ، فلنكتف بهذا القدر . * * * فلمّا أنشداها الوالي متراسلين ، بهت لذكاءيهما المتعادلين . وقال : أشهد باللّه أنّكما فرقدا سماء ؛ وكزندين في وعاء ، وأن هذا الحدث لينفق ممّا أتاه اللّه ، ويستغني بوجده عمّن سواه . فتب أيّها الشّيخ من اتّهامه ، وثب إلى إكرامه . فقال الشيخ : هيهات أن تراجعه مقتي ، أو تعلق به ثقتي وقد بلوت كفرانه للصّنيع ؛ ومنيت منه بالعقوق الشّنيع . فاعترضه الفتى وقال : يا هذا ، إن اللّجاج شؤم ، والحنق لؤم ، وتحقيق الظّنة إثم ، وإعنات البريء ظلم . وهبني اقترفت جريرة ، أو اجترحت كبيرة ؛ أما تذكر ما أنشدتني لنفسك ، في إبّان أنسك . * * * قوله : « بهت » ، أي تحير . المتعادلين : المتماثلين ، وشبّههما بالفرقدين لرفعتهما وتوقدهما ، وأخذ الحريري هذا التشبيه من البحتري في قوله : [ الكامل ] كالفرقدين إذا تأمّل ناظر وتقدّم في الثانية ، وبالزّندين لما فيهما من النار ، وفي هذين من الذكاء وجعلهما في وعاء ، يريد : متى التمسهما الإنسان وجد فيما وقعت عليه يده حاجته .